نشرت “ناسا” بأنها “اكتشفت” وجود برج ثالث عشر، باسم “الحواء”، في بروج السماء التي تمر فيها الشمس في سماءنا، واشتعلت مواقع التنجيم غضبا وتشكيكا واستياء! وبالرغم أن “ناسا” ليست بريئة في طرحها الشبهة، بل ربما قد يضحك أصحاب العلم في المسألة بأن “ناسا” تتلاعب بجهل الناس واستغلال “الأمية” ربما للتسويق لنفسها وبأنها قد اكتشفت الجديد والسبق العلمي! إذ أني سفهت الموضوع حتى تبين لي انتشار الشبهة إلى بعض أساتذة الفلك. فلا يمنع من تسليط الضوء على المسألة وهو اللبس في التفريق بين الرصد والتقويم. بل نشرح في طيات المسألة لماذا الحضارات تفوقوا على “ناسا”!

ما هو الرصد؟ وما التقويم؟

الرصد توثيق حادثة ما (كحركة الشمس) على أداة قياسية زمنية تسمى تقويما أو ساعة في ما يخص موضوعنا، وهي نظام عد للزمن مركب من أعداد وأسماء يتم تقسيم الزمن بها. ويتصف التقويم بسهولة استخدامه لأي شخص كان عالما أو “أمّيّ.”

“ناسا” مهتمة في علوم الفلك والرصد لا التقويم، وربما تستخدم عداد الثواني لمعرفة ورصد موقع الشمس في كل برهة في دائرة السماء، وربما تستخدم ساعة مقومة وتقويم جريجوري كأجهزة لرصد الحادثة الفلكية. وتستطيع أي جهة بما فيها أنت أيها القارئ، تقسيم السماء إلى 12 موقعا، أو 13، أو حتى 365 درجة دائرية، لتعطينا تقريرا يوميا بأن الشمس في “درجة” 132 وغدا تكون في “درجة” 133. فإن كانت هذه التقسيمات قياسية بطول واحد أصبحت تقويما قياسيا لتقيس المرصود به.

وبما أن البروج في السماء مختلفة في مقاساتها (البروج هي مجموعة من النجوم تشكل شكلا يسهل تمييزه في السماء)، قامت ناسا بتقسيم السماء حسب أحجام البروج المعروفة كما تراها في السماء فوصلت إلى 13 برجا بعد إضافة برج بين العقرب والقوس. وبما أن “ناسا” جهة راصدة لا تقويمية، فكل برج لها حجم مختلف في السماء بالنسبة لها، فهي مهتمة بالفلك لا بالتقويم، فالشمس بالضرورة ستبقى في كل برج عدد مختلف من الأيام رصدا حسب الجدول التالي بعد نشرها لما يوافق هذه البروج المرصودة على التقويم الجريجوري!

مقارنة توقيت بروج ناسا مع منازل القمر للشمس

وتلاحظ في الجدول السابق أن شهر الحمل طوله 25 يوم، وأما الثور ف 39 يوم، ذلك لأن حجم هذه البروج في السماء مختلفة، فتبقى فيها الشمس مدد مختلفة. وتم وضع تقويم مقارن لمنازل الشمس حسب رصد أم القرى بجواره. وتلاحظ لو غيرت التاريخ لوجدت الحمل 1 في “راصد ناسا” يوافق دائما المؤخر 3 في “تقويم منازل القمر لأم القرى” لأنهما يتبعان نفس الدورة الفلكية للشمس على دائرة السماء!

إلا أن عمر الخيام صاحب التقويم الجلالي، مع معرفته لاختلاف طول البروج، إلا أنه صنع منها تقويما قياسا، وهو التفوق المقصود لخدمة الأميين! فقسم عمر الخيام السنة إلى 12 شهرا كل شهر 30\31 يوم. وبدلا من أن نتواعد إذا دخلت الشمس برج الثور رصدا وهذه عملية تقديرية صعبة “للأمي”، نتواعد على تقويم جلال الدين في يوم 23 من شهر الثور في السنة الجلالية، أو مايو 13 في التقويم الجريجوري!

وحقيقة الأمر أن تقسيم السماء كان تقسيما تقويميا لا رصديا في جميع الحضارات، أي أن الشهور تكون مقسمة تقسيما اصطلاحيا ليسهل القياس، فكل برج 30/31 يوم تقريبا ليصبح لدينا 12 برجا، وهذا تقدم حضاري للانتقال من رصد الظاهرة “حركة الشمس” إلى التقويم، بل إن “اكتشاف” “ناسا” يعتبر تراجعا بل تخلفا عما وصل إليه أهل التقويم، بل وسخرية مقصودة! بل جميع فلكيو العالم التاريخي بما فيهم العرب يدركون أن مقاسات كل برج أو منزلة مختلفة عن الأخرى. ولا يخفى أن “ناسا” لن تستخدم تقويمها ذو 13 برج لرصد بقية حوادثها، وإنما ستبقى على قياسات التقويم الجريجوري إلى أجل!

البرج والمنزلة؟ ظاهرة رصدية أو تقويمية؟

ولم تقم “ناسا” بهذا الفعل فحسب، فحتى الباحث “وسام الدين إسحاق” أخرج في كتابه “براءة النسيء” رصدا لمنازل الشمس كذلك حسب المنازل المعروفة لظاهرة تناسب طرحه، وستجد أن كل “منزلة” لها مدة مختلفة عن الأخرى بحسب حجمها في السماء! فإن كانت الحضارات قسمت البروج إلى 12 برج كل برج 30 يوم تقريبا، فإن العرب سبقوا بتقسيم السماء إلى 28 “منزلة” وكل منزلة 13 يوما. وسبب تقسيم المنازل هو أن القمر يبقى في المنزلة ليلة فقط تقريبا، وكان العرب يدركون أن أحجام المنازل مختلفة، لكن التقدم الحضاري تطلب أن نجعل المنازل بطول واحد ليسهل التعامل المدني للأميين! وإن تداخلت مواقع المنازل. وتجد في الجدول التالي تقويم وسام الدين وطول كل منزلة رصديا.

تقويم وسام الدين الرصدي لمنازل الشمس

تلاحظ أن الشمس مرصودة حسب الباحث وسام بأنها في أول القلب بما يتوافق مع الإكليل يوم 8 حسب تقويم العرب الذي يقسم المنازل بطول 13 يوم! وبطبيعة الحال، الرصد، يحكمها مكان المشاهد ووقت المشاهدة، لذلك الاعتماد عليها بالرغم من هدف رصدها ليس بالضرورة دقيقا إلا بمعايير أخرى أكثر تعقيدا وزيادة تكلف لا تحتاجها المدنية ولا الأمي، ويعلمها أهل الفلك لبحوثهم الأخرى.

كذلك يتضح من تقويم جلال الدين لصاحبه عمر الخيام دليل آخر أن تقسيمه لشهور السنة إلى 12 شهرا بطول 30 و 31 يوما لكل شهر، وبناء أدق التقاويم الشمسية بحسابات عالية الدقة وأكثر من التقويم الجريجوري، مع حفاظه على أسماء الشهور لتوافق البروج، وبالضرورة علمه بأن مقاس كل برج حقيقة مختلف، ومع إدراكه بأن الرصد سيعطيه مواقع وتقاسيم غير متساوية، بل حتى بروجا بأشكال حسب الاصطلاح الحضاري، ولو كان عمر الخيام حيا اليوم، لضحك من “ناسا” أسفا أنها بعد 1000 سنة أدركت أن البروج مقاساتها مختلفة وأشكالها اصطلاحية لكل حضارة!

ولم يقف الأمر عند البروج، فقد برز علماء التقويم في التاريخ الإسلامي بإنتاج التقاويم الهجرية، والتي وصفت السنة بأنها 354 تكبس مرة كل 3 سنين تقريبا، مع الحفاظ على قياسات الشهور، فالفردية تكون بطول 30 يوم، والزوجية تكون ب 29.

في الجدول التالي جردا للتقاويم القياسية المناسبة لقياس المرصود، والتقاويم الراصدة التي تحتاج إلى عرض ما يوافقها حسب تقويم قياسي آخر، ولا يخفى أنك إذا استخدمت تقويم أم القرى، فأنت مضطر إلى ذكر ما يوافقها حسب تقويم قياسي مثل التقويم الجريجوري!

تقاويم قياسيةالقياس أو
طول الشهر
تقاويم رصدالمدى
تقويم جلال الدين 12 برج30\31تقويم ناسا 136-44
تقويم جريجوري، تقويم يولياني30\31
تقويم أم القرى لمنازل القمر
13\14تقويم المنازل لوسام الدين8-17
تقويم ابن قتيبة لمنازل القمر 13\14 تقويم أم القرى29-30
تقويم مختار الهجري29/30التقويم الهجري العالمي
لمركز الفلك الدولي
المشرو الإسلامي لرصد الأهلة
29-30
جدول يقسم التقاويم بين قياسية ورصدية

“تقويم أم القرى” راصد لا تقويم قياسي!

إنها لمن السخرية كذلك أن يكون اللبس ممارس أيضا في تاريخنا، فعوض عن استخدام تقويم هجري مثل تقويم مختار الهجري القياسي بأن محرم 30 يوم، وصفر 29 دائما، وتتردد الشهور هكذا، يتم الإعلان يوجود “اكتشاف” حصري بأن صفر هذه السنة سيكون 30 يوما وكأن تقويم أم القرى أدركت أمرا لم يعرفه علماء العرب والمسلمين في دورة الأهلة. والأسوأ أن يتم اعتماد المرصود كقياس لحياتنا اليومية. التقويم شيء ورصد الهلال أمر آخر يتم رصده حسب تقويم قياسي، فيتم إعلان بداية الصيام في رمضان 2 في عام 1444 ه\مختار مثلا! فكما أن اكتشاف “ناسا” هو تراجع فلسفي، فكذلك تقويم أم القرى.

أرجو أن لا تستغرب غدا لو نشرت “ناسا” خبرا بأن برج الأسد ذو 37 يوما قد مات ولم يعد موجودا، بل أنها “اكتشفت” أنه لا وجود لأي أسد، وإنما هو “قط” بطول 20 يوم والحمامة بطول 17. ولتقول بأنها 14 برجا! وربما “نكتشف” بأن العذراء حامل!

أترك لكم مقالي السابق في ذات القضية من زاوية أخرى.

مقالي السابق في ذات الموضوع، للاطلاع،، أو تابع قراءة المقال

2 thoughts on “هل البروج 12 أو 13 برجا؟ ما دخل “ناسا” بالتقويم؟

  1. السلام عليكم
    مشكروين على العمل المميز
    احببت فقط التنبيه ان هذا الشهر يجب ان يكون شهر التقويم ربيع الثالث لا جمادى الاول

  2. رائع جدا بارك الله في جهدك وعقلك
    فهم دقيق وتمييز بين الرصد والفلك والتقويم لم اجده عند غيرك.
    اطلب رأيك في الجملة التالية هل هي صحيحة ام لا وارجو التصحيح
    “(كبس) شهر التقويم كل 32 شهر قمري هو ما يعيد أطوار القمر تلك الى منازله تماماً”.
    مع خالص الشكر والتقدير

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *